الكذب بين الأمسِ و اليوم

أريد أن أذكر موقفين يُظهران مكانةُ الكذبِ عند أهل الجاهلية:



 الموقف الأول:

قصة أبو سفيان مع هرقل ملك الروم قبل أسلامه:

أبو سفيان لما كان كافرً، خرج مع قافلة من قريش في أرض الروم ، فاستدعاهم هرقل ملك الروم ليسألهم عن محمد..
سألهم: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها، - قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئاً غير هذه الكلمة -

ماذا فعل هرقل ذلك الداهية -كما وصفه أبو سفيان - قبل أن يسأل أبا سفيان ؟قال له: اجلس.وأجلس أصحابه خلف ظهره، وقال للترجمان: قل لهم إني سائله، فإن كذبني فكذبوه.قال أبو سفيان : ولولا الحياء من أن يأثروا عليّ كذباً لكذبت عنه. أنظر إلى الترفع عن الدنايا، مع أن الذي منعه عن الكذب ليس هو الإيمان، وليس هو الخوف من الله عز وجل، وإنما الخوف من أن يتهم بالكذب.

  الموقف الثاني:

تلقي كفار قريش نبأ قتلاهم في معركة بدر:

قال ابن إسحاق: وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش الحيسمان بن عبد الله الخزاعي فقالوا له: ما وراءك؟
قال: قتل عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو الحكم بن هشام، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود ونبيه ومنبه، وأبو البختري بن هشام.
فلما جعل يعدد أشراف قريش،
قال صفوان ابن أمية: والله لن يعقل هذا، فسلوه عني، فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟
قال: هو ذاك جالسا في الحجر، قد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا.

في الموقف الأول أبى أبو سفيان أن يُعرف عنه أو ينقل عنه أصحابه الى قومه "أنه كذب" و لو من موقفٍ واحد و كان يحاول أن يُدخِلَ و لو كلمةً واحده غير الحقيقة لينزل من قدر النبي الكريم صلى الله عليه و آله و سلم عند هرقل و لكن أبت عليه نفسه و مكانته عند الناس.

في الموقف الثاني أتهم صفوان أبن أُمية ناقل أخبار قتلى كبار قريش في غزوة بدر "بالجنون" و شك في قدرته العقلية و لم  يفكر أبداً و لو للحظةٍ واحده أن يتهمه بالكذب لأنه كان يستحيل في إيامهم أن يكذب أحداً و لو لمرةٍ واحده فأنها ستكون و صمةَ عارٍ في حقه.

فما بال المسلمون اليوم ... ؟!؟!؟!

و الله أنه لشئٌ محزن أن نرى حال كثيرٍ من المسلمين اليوم في تعاملاتهم و أحاديثهم حيث الكذب هو حجر الأساس في حياتهم في كثيرٍ من الأحيان. حتى أن غير المسلمين الذين يعيشون بين أظهرنا يكرهون كلمة "أن شاء الله" فأنهم عندما يسمعونها يقولون أن المسلمون أذا أرادوا أن لا يفعلوا شيئاً يقولون هذه الكلمة.  أذكر مرةً أنني قلت هذه الكلمة بشكلٍ عفويٍ عندما كنت أتحدث لأحد النصارى فقال لي: عندما أتيتُ الى دياركم كنت أسمع هذا الكلمة الغريبة تتردد على ألسنةِ المسلمين في كل مكان و لم أكن أعرف معناها، و لكن كنت ألاحظ أمراً مشتركاً في كثيرٍ من الأحوال أنها عندما تقال لا يُنجز شئٌ مما يجب أن يفعلوه. بل العجب أن أحد الرؤساء النصارى قال لمسلمٍ يعمل عنده "أفعل كذا"، فقال المسلم "أن شاء الله" فقال له رئيسه لا تقل "أن شاء الله" أذا لم يكن عندك نية جادة في فعل ما أمرتك به!!! فقال له رئيسه النصراني الغربي الأصل "هذا هرررام" !!!

عندما تحول أهل الجاهليةِ الى الإسلام لم يحولوا صدقهم و كرمهم و أصالتهم أنما حولوا عقائدهم فقط و أبقى الأسلامُ على أصالتهم و كريمِ أخلاقهم. ألم يقل النبي الكريم صلى الله عليه و آله و سلم "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". أي عند بعثة النبي كانت هناك أخلاق موجودة و أنما أتى الأسلام الى تكميلها.

أيها الأخوة...

الصدق هو أعلى مرتبةٍ في هرم الأخلاق فأذا فُقد الصدق فلا ينفع شئٌ بعده و لا يُصلحها لا صلاةٌ و لا صيامٌ و لا عمرةٌ و لا حج.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عليكم بالصِّدق، فإنَّ الصِّدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنَّة، وما يزال الرَّجل يصدق، ويتحرَّى الصِّدق حتى يُكْتَب عند الله صدِّيقًا. وإيَّاكم والكذب، فإنَّ الكذب يهدي إلى الفُجُور، وإنَّ الفُجُور يهدي إلى النَّار، وما يزال الرَّجل يكذب، ويتحرَّى الكذب حتى يُكْتَب عند الله كذَّابًا)) (1) .
 

قال المناويُّ: (عليكم بالصِّدق. أي: الزموه وداوموا عليه. فإنَّه مع البرِّ. يحتمل أنَّ المراد به العبادة. وهما في الجنَّة. أي: الصِّدق مع العبادة يُدْخِلان الجنَّة. وإيَّاكم والكذب. اجتنبوه واحذروا الوقوع فيه. فإنَّه مع الفُجُور. أي: الخروج عن الطَّاعة. وهما في النَّار. يُدْخِلان نار جهنَّم)


 اللهم أجعلنا من عبادك الصادقين


أبو بسام عمر الجبلي
الظهران - المنطقة الشرقية
omar.ghamdi@gmail.com 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

WAITING FOR ACCEPTANCE