من أبو قتادة الى أبو تركي

كان شديد التدين لا يرى للرأي الأخر أي مكان في عقله و تفكيره، كان يسخر أحياناً و يتجاهل أحياناً أخرى من يغرد خارج سربه. شعاره "ما أُريكم الا ما أرى" لكنه كان يملك علماً شرعياً قوياً و لكنه لم يكن يهتم بتعليم الناس أو إرشادهم. كان يهمه فقط أن يتصرف و يتكلم بما يرى هو فكل شئٍ يعمله أو يقوله فهو صحيح. عندما كُنّا نصلي في مكان العمل، كان يُصلي بنا صلاة المغرب بسورة الطور في الركعةِ الأولى تطبيقاً لسنةِ المصطفى صلى الله عليه و آله و سلم و عندما كان بعض الشباب يناقشه بظروف عَملنا و أن ينبغي أن يقرأ بقصار السور، كان يلقي أذان صماء لمناقشتهم.

هذا بأختصار صاحبي "أبو قتادة".....

كانت الثمانينات ميلادية و تلك الفترة كانت الصحوة في أوج مجدها. كان الكثير من الناس يتدينون و يعفون لحاهم لاعبي كرة القدم، الفنانين يكسرون أعوادهم و يؤدون الأذان في المساجد و الفنانات و الراقصات يتوبن و يتحجبن. كانت محلات الأشرطة الأسلامية مزدحمة بالشباب و أخبار الجهاد الأفغاني حديث المساجد و المجالس. في تلك الفترة كنت حديث عهدٍ بتدين و كان علمي الشرعي، و لا يزال، قليلاً للغاية و لذا كنت مستمعاً أكثر من أكون متحدثاً عند "أبا قتادة". في الحقيقة لم يكن يعجبني أسلوبه معي أو مع الأخرين فقد كان شديد اللهجة و أحياناً يتساهل في تبديع و تفسيق الأخرين. أذكر أنني تناقشتُ معه مره في مسألة و عندما سألني عني مصدري فأخبرته ضحك مني ضحكةً عاليه و منذ ذلك الحين والى اليوم و أنا لا أحمل له أي إحترام. كان يذهب الى الجهاد الأفغاني في كل عام و لما لا؟  فهو من مدينة "الثقبة" التى كانت معقل الكثير من الشباب الذين ذهبوا للجهاد و منها قُتل العديد منهم فقد كنا نسميها مدينة "الأفغان العرب". كنت أتجنب أبو قتادة بشكل مستمر و كان يشعر بهذا الشئ فقد كان حساساً للغاية من كل شئ و من أي شئ فقد كان ذكياً للغاية و كان من السهل جداً عنده أن تنتقل من قائمة "إخوانه" الى قائمة "أعدائه".

مرت السنوات على هذ الحال و لكن بدأت أشعر أنه بدأ ينعزل عن الجميع و أختار وظيفة لا تتطلب العمل مع أحد و كان يقضي جُلّ وقته و صوت القرأن يعلو مكتبه و بدأت لحيته تقصر مع الزمن. بدأ الجميع من حوله يتحدث عن "أبا قتادة" و ماذا حصل له  فهذا طبيعي فقد كان شديداً معهم في المناقشات و في الأنكار على بعض تصرفاتهم. و عندما كان يسأله بعض الشباب عن حالة التغيير الذي يمر بها كان رده للجميع بأنه لم يتغير و لا زال كما هو "أبو قتادة" الذي نعرف. كان مكان عملنا مختلطاً بالنساء و كان لا ينظر إليهن و لا يكلمهن بل ولا يتردد في التعبير بلسانه و على قسمات و جهه أنه يزدريهن و الأن يتبادل الحديث معهن و أحياناً تسمع و ترى أحاديث باسمه و ضحكات خافته بينه و بينهن. كان الشباب يتغامزون و يتذكرون أبا قتادة الذي كان ينكر عليهم و يسخرُ منهم.

اليوم و بعد أكثر من ثلاثين عاماً يعرفه الناس "أبوتركي" لا أحد يذكر "أبا قتادة"، فاكهة مجلسه "المطاوعه" ينتقدهم و يكيل سيلاً من الأتهامات لهم و أنهم سبب كل بلاء و أهل الرجعيةِ و التأخر. أذكر أنه سألني، في قديم زمانه، عن شابٍ طيبٍ من معارفي أتى لخطبة أحدى قريباته فقلت له أنه "يدخن" فتهجم و جهه و غضب و قال "لا نزوج من يدخن"، اليوم "أبو تركي" يُدخن و يجالس و يمازح أهل البدع الذين كان يكفرهم يوما ماً بل و كان يقود حملةً شعواء عليهم و يحثنا على بغضهم و تكفيرهم.

اليوم سلم أهل البدع منه و لم يسلم منه من كان يوماً واحداً منهم.

الأسلام منصورٌ بأذن الله لا ينتظر أبا قتادة أو أبا بسام و لكن لماذا ينتقل أحدهم من أقصى اليمين الى أقصى الشمال بين عشيةٍ و ضحاها، في تصوري أنه لم يفهم دينه حقيقةً و لا يوماً واحداً حتى و إن كان على يقين أنه على الصراط المستقيم.

يقول لك "أبو قتادة" أنه كان جاهلاً و متطرفاً و الحقيقة عندي أنه كان في برجٍ عاجيٍ و كان مقتنعاً بما يفعل و لم يكن جاهلاً يوماً ما و لكنه لم يكن يعرف كيف يفهم أو يطبق دينه.

أما عن العبد الفقيرلله فكنت ولا زلت و سأظل أعرف حجمي الحقيقي و من أنا و حقيقة علاقتي بالله عز و جل و لذلك أعلمُ علمَ اليقين أن الثبات بيد الله و أن المرء قد يضيع دينه من موقفٍ أو من نظرةٍ واحده و في تصوري الخاص:

هذا ما نقل صاحبي من "أبا قتادة" الأمس الى "أبو تركي" اليوم......و لن نضر الله شيئا

أبو بسام عمر الجبلي
الظهران - المنطقة الشرقية
omar.ghamdi@gmail.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

WAITING FOR ACCEPTANCE