الله يُعّلمُنا أدب الحوار

مما لا شك فيه و لاريب أن للحوار أداب و وسائل بل و قواعد أساسية حتى يكونُ الحوار هادفاً و بنّاءً يجبُ تَعلّمهُ و ممارساته حتى يكونُ حِواراً يُعودُ بالخيرِ الكثيرِ على أصحابه و متى ما فُقِد أي شئٌ من أركانه المطلوبة أصبح جِدالاً و مِراءً لا يجلبُ لصاحبه إلا الهلاك و سوء السمعةِ بين الناس.

و الجدال نوعان "محمودٌ" و "مذموم"...

فأما "المحمودُ" فهو الذي يكون لتبيين الحق وإظهاره، ودحض الباطل وإسقاطه، وهو الذي أمرت به الأدلة الشرعية ، وفعله العلماء قديماً وحديثاً. و أما "المذموم" فهو الذي يقصد به الغلبة والأنتصارُ للنفس ونحو ذلك وهو الذي تحمل عليه الأدلة الشرعية الناهية عن الجدال. أما "المراء"  فهو الذي يصّرُ على رأيه من غير دليل ولا يقبل من الأدلة إلا ما يوافق رأيه، ولذا فإنه يتكلف في رد الأدلة وتأويلها وصرفها عن دلالاتها ونحو ذلك مما يدل على أنه لا يريد الحق ، وإنما يقصد الانتصار لنفسه وتحقير غيره. في هذه المقالة سأتكلم على رُكنٍ مهمٍ جداً في هذا الموضوع وهو أذا كان هناك إختلافٌ واضحٌ من البداية و أن هناك أراءٌ متباعدة في أي موضوعٍ كان بغض النظر عن ماهيته أو مألاته، فاللهُ جل و عز يُعلمنا على وجوبِ أن يكون هناك "أرضيةٌ مشتركة" تتفقُ عليها جميعُ الأطراف قبل الشروعِ في أي حوار. قال الله عز و جل في محكمِ التنزيل:


"قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ"

يُعلمنا الله جل جلاله في كيفيةِ نقاش أهل الكتاب و هو أن تكون هناك بدايةً "أرضية مشتركة" بيننا و بينهم، و ما هي هذه الأرضية في كتابه العزيز؟ "تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ" فالله يأمرنا أن نتفق مع أهل الكتاب أولاً على مسألةِ "توحيد اللهِ سبحانه و تعالى فلا نعبدُ غيره". عدم و جود أرضية مشتركة في هذا المثال هو إستنزافٌ للجهود و دعوةٌ مفتوحةٌ الى الجِدال المذموم و المِراءِ المنهي عنه. و هذا حاصلٌ كثير عندما تِجدُ أناسً يبدأون بعيسى أو موسى عليهما الصلاة و السلام. أو يتجادلون لماذا يتزوجُ المسلم أربعاً أو هكذا. فأذا كان الشخص الذي أمامك لا يؤمن بوجودِ الله أو يرى أن لله أبنً و العياذ بالله، عندها يجب أولاً حل هذه المعضلة عندها توجد هذه "الأرضية مشتركة". 

قد يسألُ سائل: لماذا أحتاج الى هذه "الأرضيةِ المشتركة؟"

لسببٍ بسيطٍ واحد هو أنه إذا أختلفت أطراف الحوار، "عادوا" الى هذه "الأرضية المشتركة" كي تكون حكما عدلاً فيما بينهم.

و قس على هذه الأيةِ الكريمة كل موضوعٍ يُطرح على طاولةِ الحوار، أولاً: إيجاد "الأرضية المشتركة" و من ثمَّ "التحاكم" إليها في حالة الإختلاف.

حاول أن تتذكر هذه الطريقة عندما تنسد الطرقُ بينك و بين صاحبك خلال تحاوركما، عندها سترى عجباً لو عدت معهُ الى البداية و أوجدتما هذه "الأرضية المشتركة". و لكن أعلم رحمك الله قبل كل شئ "أن الهداية بيد الله عز و جل و ليست بيدك".


أبو بسام عمر الجبلي

الظهران - المنطقة الشرقية

omar.ghamdi@gmail.com

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

WAITING FOR ACCEPTANCE